تأتي حالات عدم اليقين في عالم الأعمال بأشكال وصور لا حصر لها، سواء سبقتها مؤشرات أو لا. وتواجه الشركات العائلية، على وجه الخصوص، مجموعة واسعة من التحديات غير المتوقعة، سواء كانت اقتصادية أو جيوسياسية أو مرتبطة بانتقال القيادة بين الأجيال.
تشير الدراسات في علم الأعصاب إلى أن التوتر الشديد يعيد توجيه موارد الدماغ نحو رصد التهديدات. فبدلاً من البحث عن الفرص، ينشغل العقل بتتبع المخاطر، مما يجعل التفكير على نطاق واسع، والقدرة على التكيف، والإبداع أكثر صعوبة. ونتيجة لذلك، يميل القادة إلى التركيز على التعامل مع ما التحديات الآنية بدلاً من التفكير في المستقبل.
يؤدي التوتر والخوف إلى الجمود، فكيف يمكننا المضي عندما يقودنا هذا التردد في اتخاذ القرار إلى حالة من الشلل؟
تقترح هارفارد بزنس ريفيو ثلاث استراتيجيات تساعد القادة على تحويل الخوف إلى تركيز، والحفاظ على روح الابتكار والمعنويات، والاستمرار في إحراز التقدم خلال فترات عدم اليقين.
تتمثل الاستراتيجية الأولى في اتخاذ القرارات على مراحل. فمن خلال اتخاذ قرارات صغيرة، يمكن التعلم من نتائجها، ثم التعديل وفقاً لذلك قبل الانتقال إلى الخطوة التالية. فعلى سبيل المثال، بدلاً من توظيف فريق كامل في دفعة واحدة، يمكن البدء بتعيين شخص في دور رئيسي، ثم تقييم ما ينقصه الفريق، والبناء على ذلك. خطوات صغيرة، ومخاطر أقل، وتعلّم مستمر.
أما الاستراتيجية الثانية فهي التفكير المدروس. ففي أوقات عدم اليقين، يقع القادة غالباً في فخ الانشغال بحل الأزمة الحالية فقط. لكن تخصيص وقت للتفكير فيما وراء العمليات اليومية، رغم كل الضغوط، قد يحقق نتائج كبيرة. وفي سياق انتقال القيادة في الشركات العائلية، من الخطأ الاعتقاد أن الجيل القادم يُعَدّ فقط لإدارة أعمال اليوم. بل من الضروري التوقف وطرح أسئلة مثل: ما التقاليد التي لا تزال تضيف قيمة؟ وما الممارسات التي لم تعد ملائمة؟ وما الذي ينبغي الحفاظ عليه؟ وما الذي يحتاج إلى التطوير؟ مثل هذه الأسئلة تساعد على التمييز بين الإرث والعادة.
أما الاستراتيجية الثالثة والأخيرة فهي السردية المشتركة. فعندما يلتزم القادة الصمت في أوقات عدم اليقين، يبدأ الموظفون في صياغة تفسيراتهم الخاصة. وعلى العكس، يصبح التعامل مع الغموض أسهل عندما يفهم الموظفون ما الذي يحدث ولماذا تُتخذ قرارات معينة. وفي انتقال القيادة داخل الشركات العائلية، بدلاً من الاكتفاء بالقول: «الجيل القادم سيتولى القيادة»، قد يكون من الأفضل توضيح أن «القيم التي أرساها المؤسسون ستظل كما هي، أما ما سيتغير فهو الطريقة التي نعمل بها، حتى نواصل النجاح والازدهار في عصر مختلف».
إن التقدم المستمر، ولو بخطوات صغيرة، والتفكير المدروس، ووضوح الرؤية، والسردية المشتركة، كلها عناصر تعزز بعضها بعضاً. فالقيادة لا تُقاس بغياب الخوف، بل بالقدرة على التكيف ومواصلة التقدم في أوقات عدم اليقين.
